عبد العزيز كعكي
57
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
غزوة بني النضير وما جرى فيها من أحداث يدل على عظمة وسعة حصون بني النضير . قال الواقدي « 1 » عند حديثه عن غزوة بني النضير : ( فجاءهم سويد وداعس رسولا ابن أبي - أي جاؤوا يهود بني النضير - فقالا : لا تخرجوا من دياركم وأموالكم ، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم ) . وفيما سبق من كلام ابن أبي أيضا دلالة على سعة حصون بني النضير التي يمكن أن تستوعب سكانها ، ومقاتليهم ، وطعامهم ، ومتاعهم ، وحجارتهم ، هذا بالإضافة إلى ما سيمدهم به ابن أبي من مقاتلين قدرهم بألفين من قومه وغيرهم من الأعراب . وتحتوي الآطام والحصون على حد سواء على غرف ، وحجرات ، تطل جميعها على باحة أو فناء الأطم أو الحصن ، وقد عرفت هذه الغرف والحجرات فيما سبق بالبيوت ، قال السيد السمهودي « 2 » عند حديثه عن أطم ضع ذرع : ( ليس فيه بيوت جعلوه كالحصن الذي يتحصنون فيه للقتال ) كما ذكر العباسي في عمدة الأخبار « 3 » . ويقول السيد عبيد مدني « 4 » تعليقا على ذلك : ( وأحس أن الذي دعاهم إلى هذا التعريف ، أن المألوف في الآطام أنها تحتوي على بيوت معدة للسكن لا سيما إذا كانت خاصة بالأشخاص ، كما تضافرت عليه روايات القدامى من المؤرخين كأطم « الضحيان » وأطم « الزاهرية » مثلا ) . وتتفاوت الآطام والحصون ، فمنها الصغير ، الذي يحتوي على حجرة واحدة أو حجرتين ، ومنها الكبير الذي يحتوي على أكثر من أربع عشرة غرفة كما هو الحال في أطم « الضحيان » ، أو « حصن كعب بن الأشرف » . ولم تفتقر إقامة الآطام والحصون في المدينة على ما تمس إليه الضرورة اللازمة بل تجاوزتها إلى المباهاة في التظاهر والبروز بين رجالات يثرب في العهد الجاهلي ، فظهر التألق في إنشائها وتزيينها والمفاخرة بها . فشيدت من الحجارة الصلبة المنحوتة ، وبأشكال هندسية ، فجعلوا أسمك حوائطها الخارجية تزيد عن المتر « 5 » وتصل إلى ارتفاعات طابقين أو أكثر . ويعطينا المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري شرحا لعمارة الآطام
--> ( 1 ) « المغازي » - « الواقدي » - ج 1 ص 368 . ( 2 ) « وفاء الوفاء » - السيد السمهودي - ج 1 ص 139 / ج 2 ص 338 . ( 3 ) « عمدة الأخبار » - السيد العباسي - ص 292 . ( 4 ) « أطوم المدينة المنورة ( بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود ) » - الأستاذ عبيد مدني - ص 216 ، 217 . ( 5 ) « يثرب قبل الإسلام » - د . محمد السيد الوكيل - ص 179 .